الندوات و المحاضرات
منتدى الكتاب العدد 56
قراءة في رواية اللقاء الأخير
#الكاتبة: زناني نور
الأستاذ الروائي: عبد الله بن حامو.
الأستاذ الروائي: علي ميموني
#إدارة_الجلسة: فتحي عبد الوهاب
#التاريخ: الخميس 18 جوان 2026 صباحاً.
#صور_من فعاليات قراءة في كتاب الروائية الصاعدة زناني نور بحضور جماهيري متميز ومتفاعل مع محتوى الكتاب بالنقد البناء والتحليل.
#قراءةة_في_رواية: اللقاء الأخير للروائية الكاتبة: نور زناني. #البروفيسور_بناني_أحمد. #ابدعت الروائية نور زناني في روايتها اللقاء الأخير
#قراءة تأويلية في رواية “اللقاء الأخير”
ليست رواية “اللقاء الأخير” فيما أرى حكاية جون ولارا، ولا هي مطاردة لعصابة تتنقل بين لندن وباريس والكرملين ومحاكم الأمن العام، وإنما هي رحلة روح تبحث عن نفسها بين مرايا الأمكنة والأسماء والأحداث.
منذ السطر الأول، حين تقول الروائية على لسان لارا: “لا تقل وداعا لأن الوداع يقتل أمل اللقاء”، نشعر أننا لا نصغي إلى امرأة تودع رجلا، بل إلى روح تناجي الزمن نفسه، وتستجديه أن يؤخر لحظة الفراق. فالوداع في الرواية ليس كلمة تقال عند الرحيل، بل هو ذلك الخوف الإنساني العتيق من النهايات، من الأبواب التي تغلق خلفنا دون أن نعلم أهي مغلقة إلى الأبد أم إلى حين.
وقد يظن القارئ أن اختيار أسماء مثل جون وتوم وسام ولارا ودانيال وروز مجرد تقليد للسرد الغربي، أشعر أن الكاتبة أخفت خلف هذه الأسماء وجوها أخرى، وأنها لم تكن تكتب عن أشخاص بقدر ما كانت تكتب عن رموز. فجون قد يكون الإنسان في غربته الكبرى، وقد تكون لارا صورة الأمل الذي يرفض الموت، وقد يكون توم وسام وجوهًا متعددة لرحلة واحدة تتكرر بأسماء مختلفة.
إن الأسماء هنا تشبه الأقنعة التي يرتديها المعنى حتى لا يُكشف دفعة واحدة. وكلما توغلنا في القراءة ازددنا يقينا أن الشخصيات ليست سوى ظلال لأفكار أكبر منها.
غير أن الشخصية التي ظلت تلوح لي من بعيد، كأنها شبح يتحرك بين ظلال الرواية، هي شخصية دانيال. فقد يبدو في ظاهر النص زعيمًا لعصابة استغلالية، لكنني كلما أعدت تأمل مساره شعرت أن الروائية لم تكن تكتب عن مجرم بقدر ما كانت تكتب عن إنسان أضاع الطريق إلى نفسه.
ولعل ما يثير الانتباه أن دانيال لم يكن غريبًا عن جون، بل كان صديقه. وهنا يتجاوز السرد حدود المواجهة التقليدية بين رجل قانون ومطلوب للعدالة، ليتحول إلى مواجهة أكثر عمقًا وأشد وجعًا؛ مواجهة الإنسان مع صورته الأخرى.
كأن جون ودانيال لم يكونا شخصين مختلفين، بل احتمالين لحياة واحدة؛ طريقين افترقا عند مفترق أخلاقي حاسم. أحدهما اختار أن يحمل عبء القانون، والآخر اختار أن يحمل إغراء القوة والمصلحة والهيمنة.
ولهذا لم أقرأ العصابة باعتبارها جماعة خارجة عن القانون فحسب، بل باعتبارها رمزًا لذلك الجزء المعتم من العالم، بل من النفس الإنسانية ذاتها؛ ذلك الجزء الذي يحاول أن يجعل من الإنسان وسيلة لا غاية، ومن الصداقة منفعة، ومن القيم سلعة قابلة للبيع والشراء.
إن العصابة هنا ليست مكانًا بقدر ما هي حالة.
قد تكون هيئة وما شابهها
وقد تكون فكرة.
وقد تكون رغبة خفية تنمو في القلب كلما غاب الضمير.
ولهذا بدا لي أن الروائية لا تطارد عصابة في شوارع لندن وباريس بقدر ما تطارد سؤالًا قديمًا في أعماق الإنسان: كيف يتحول المرء من صديق إلى خصم، ومن حامل للحلم إلى أسير لهواه؟
أما المشهد الذي ينتزع فيه دانيال مسدس جون ثم يوجهه إلى نفسه، فهو في تقديري من أكثر مشاهد الرواية كثافة من الناحية الرمزية.
فلو أن جون أطلق النار عليه لانتهت الحكاية بمشهد أمني عادي، لكن الروائية اختارت نهاية أخرى أكثر إنسانية وأشد مأساوية.
لقد رفضت أن تجعل جون قاتلًا.
وجعلت دانيال يصدر الحكم على نفسه بنفسه.
وكأنها تريد أن تقول إن بعض السقوط لا تصنعه يد الآخرين، بل تصنعه اختياراتنا حين تتراكم حتى تصبح قدرًا.
في تلك اللحظة لم يكن دانيال يهرب من الشرطة.
كان يهرب من مرآته.
من سنوات طويلة من التنازلات الصغيرة التي قادته إلى الهاوية.
ومن صوت داخلي ظل يطارده حتى أدرك أن أكثر السجون قسوة ليست تلك التي تبنيها المحاكم، بل تلك التي يبنيها الإنسان داخل روحه.
وحين ضغط على الزناد بمسدس صديقه، بدا المشهد كأنه اعتراف أخير لا انتحار فقط.
اعتراف بأن الإنسان قد ينجو من مطاردة العالم كله، لكنه لا ينجو من مطاردة نفسه.
ولعل عنوان الرواية يكتسب هنا بعدًا آخر لم أنتبه إليه في البداية.
فـ”اللقاء الأخير” لم يكن لقاء جون ولارا وحدهما، ولم يكن لقاء الأحبة الذين يفرقهم الزمن فحسب.
لقد كان أيضًا اللقاء الأخير بين دانيال وبراءته الأولى.
بينه وبين ذلك الإنسان الذي كان يمكن أن يكونه لو سلك طريقًا آخر.
ولهذا خرجت من الرواية وأنا أشعر أن نور زناني لم تكن تكتب عن مطاردة مجرم، ولا عن عصابة تستغل الناس، بل عن ذلك الصراع الخفي الذي يسكن كل روح بشرية؛ الصراع بين النور والظل، بين الوفاء والخيانة، بين الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما تصنعه شهواته وأوهامه.
وهكذا تبقى صورة دانيال عالقة في الذاكرة لا لأنه مات، بل لأنه ذكرنا بحقيقة موجعة: أن أخطر العصابات قد لا تكون تلك التي نراها في الطرقات، بل تلك التي تنمو بصمت داخل النفس حين تتخلى عن قيمها، وأن بعض النهايات ليست إلا لحظة يلتقي فيها الإنسان بنفسه للمرة الأخيرة.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن روائية خرجت من عمق الصحراء من تمنغست الممتدة بين الرمل والسماء، اختارت أن تجري أحداثها في عواصم بعيدة. غير أنني لم أقرأ لندن في الرواية بوصفها لندن، ولا باريس بوصفها باريس، ولا الكرملين بوصفه الكرملين. لقد قرأتها كلها باعتبارها محطات في سفر داخلي طويل. فالأمكنة تتغير، لكن القلق واحد، والأسئلة واحدة، والبحث عن المعنى واحد.
كأن الكاتبة تقول لنا إن الإنسان يحمل غربته معه أينما ارتحل، وإن المسافات الحقيقية ليست بين المدن، بل بين ما نعيشه وما نحلم به.
أما النهاية فقد جاءت أشبه بهمسة تخرج من أعماق القلب أكثر مما تخرج من فم الراوي:
“نلتقي من نحب بأرواحنا قبل أجسادنا.”
هنا تبلغ الرواية ذروتها الفكرية والوجدانية. فبعد كل هذا السفر، وبعد كل هذه المطاردات واللقاءات والفراقات، لا يبقى سوى الروح. الروح التي لا تعترف بالحدود، ولا تخضع للمسافات، ولا تستأذن الزمن كي تعبر إليه.
وأحسب أن أجمل ما في النص أنه لا يمنحنا إجابات نهائية، بل يتركنا واقفين عند عتبة السؤال: هل تنتهي اللقاءات حقا؟ أم أنها تستمر في مكان خفي لا تدركه الأبصار؟
لقد شعرت وأنا أطوي الصفحة الأخيرة أن الرواية لم تكن تتحدث عن اللقاء الأخير بقدر ما كانت تتحدث عن اللقاء ا. أبو أسيل بناني: 2026/06/18. #تصوير_مقتطفات_فيديو_وإخراج: شنضاض حسام الدين













