الندوات و المحاضرات
منتدى الكتاب العدد57

#أيام: 23/22/21 جوان 2026.
#إدارة_الجلسة: الأستاذ عبد الله بن حامو والأستاذ مولود فرتوني
#مع_ضيف_الشرف: الفنان القدير بوغرارة الصادق.
#أبدع محمد الأخضر سعداوي الشاعر المتمرس والأديب الأريب
#في جلسة من جلسات ترانيم الأدب والفن برفقة الاستاذ الفاضل ضيف الشرف محمد الأخضر سعداوي و الاستاذ الدكتور حفيدي أحمد والأستاذ الروائي بن حامو والأستاذ الروائي فرتوني مولود وجمع من المبدعبن المهتمين بالثقافة فقد كانت جلسة ماتعة.
ثمة رجال لا يكتفون بكتابة النصوص، بل يكتبون الأمكنة والأزمنة والوجوه في سجل الذاكرة الجماعية، والدكتور محمد الأخضر سعداوي واحد من هؤلاء الذين آمنوا بأن الثقافة ليست ترفاً عابراً، وإنما فعل بناء ومقاومة وحفظ للهوية. فمن بين دفتي معجم كُتّاب تقرت لم يجمع أسماءً وتراجم فحسب، بل أعاد رسم خريطة الإبداع في المنطقة، وأخرج أصواتاً ظلت زمناً حبيسة الظل إلى فضاء الاعتراف، كأنما كان ينفض الغبار عن جواهر متناثرة في رمال الذاكرة ليعيد إليها بريقها الأول.
وفي دواوينه الشعرية، ولا سيما صرخة الميلاد، تتجلى روح الشاعر الذي يرى في الكلمة طاقة للانبعاث لا مرثية للانكسار. فقصيدته ليست بكاءً على ما مضى، وإنما نافذة تُفتح على ما يمكن أن يكون، حيث يتحول الألم إلى أمل، والانتظار إلى مشروع ولادة جديدة. هناك، في فضاء الشعر، ينسج سعداوي علاقة حميمة بين الحلم والواقع، وبين نبض الإنسان وأسئلة الوطن، فتغدو القصيدة رسالة حياة قبل أن تكون بناءً لغوياً جميلاً.
ولم يتوقف مشروعه عند حدود الإبداع الشعري، بل انفتح على الذاكرة الوطنية في أبهى صورها من خلال كتابه الأديب المجاهد أحمد غزال مشري، حيث التقت الثورة بالثقافة، واجتمع القلم والبندقية في سيرة رجل آمن بأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير الوعي. لقد أنجز سعداوي في هذا العمل ضرباً من الوفاء النبيل للتاريخ، حين أعاد إلى الواجهة شخصية نذرت حياتها للعلم والجهاد والكلمة الحرة، مثبتاً أن الأدب قادر على أن يكون شاهداً على البطولة وحارساً لذاكرة الوطن.
ومن أجمل ما اقترن باسم محمد الأخضر سعداوي تلك التجربة الثقافية الرائدة التي جعلت من المقهى فضاءً للإبداع لا مجرد محطة عابرة للوقت. فالمقهى الأدبي الذي أسهم في ترسيخ فكرته لم يكن مجرد لقاء بين مثقفين، بل كان احتفاءً بالجمال في أبسط تجلياته؛ حيث تتجاور القصيدة والفكرة، ويتعانق الفن والحوار، وتجد الأرواح المتعبة فسحة لتتغذى بالمعرفة والأمل. هناك يصبح فنجان القهوة رفيق كتاب، وتصبح الطاولة الصغيرة منبراً للحلم، ويغدو المقهى نافذة مشرعة على مستقبل أكثر إشراقاً.
وقد امتدت هذه الرؤية لتشمل سؤال التدوين وحماية الذاكرة، ذلك السؤال الذي يزداد إلحاحاً في فضاءات غنية بالموروث الشفوي مثل الأهقار. وفي هذا السياق كان النقاش ثرياً حول ضرورة تحويل المرويّات والقصص والتجارب الإنسانية إلى مادة مكتوبة تحفظها للأجيال القادمة. وقد حظيت بالإشادة مبادرات وصفحات إلكترونية تمضي بخطى واثقة نحو توثيق الإبداع المحلي، كما نُوه بجهود فردية مخلصة وتجارب واعدة، من بينها تجربة “لَمّة لحباب”، التي تعكس وعياً متنامياً بأهمية صيانة الذاكرة الجماعية وحمايتها من النسيان.
لقد أجمع الحاضرون على أن الثقافة لا تزدهر إلا حين تؤمن بذاتها، وأن الخطوة الأولى نحو المستقبل تبدأ بوثبة واثقة في الحاضر. فالقادم أجمل ما دامت هناك أقلام تكتب، وأصوات تحاور، وأرواح تؤمن بأن المعرفة قادرة على صناعة الفرق. وما هذه اللقاءات إلا بذور تُغرس في تربة المحبة والإبداع، لتثمر غداً أكثر وعياً وجمالاً، ويظل الأمل مورقاً في القلوب، وتظل الذاكرة مصونة، والثقافة مزهرة، والوطن عامراً بأبنائه المخلصين.
في نهاية اللقاء، بدا المشهد أشبه بوعدٍ جماعي بأن تظل الكلمة حيّة، وأن يبقى الجمال قادراً على مقاومة القبح، وأن تواصل الثقافة رحلتها نحو آفاق أرحب. فحين يجتمع المبدعون حول فكرة نبيلة، يصبح الحلم مشروعاً ممكناً، وتتحول المبادرات الصغيرة إلى أنوار تهدي الطريق. وحينها فقط ندرك أن حماية الذاكرة ليست استعادةً للماضي فحسب، بل هي أيضاً بناءٌ لمستقبل يليق بأحلامنا جميعاً.
ابو أسيل بناني 22جوان 2026









